فتح الله الصائغ الحلبي

21

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي

العرب ليبدوا رأيهم فيه ، فكتب الشيخ أحمد بن رشيد الحنبلي معلقا عليه : كذب هذا النصراني ولم يصدق في شيء « 17 » . فقبلت المجلة الأسيوية هذا الحكم الصارم ، دون فحص أو تدقيق . وبعد البحث ومقابلة النصوص اتضح لي أن المنتقد ، أي فتح اللّه الصايغ ، والمنتقد ، أي الشيخ الحنبلي ، كلاهما على صواب ، لم يكذب الأول ولم يخطئ الثاني ، إلا أن الترجمات حرّفت عبارات الصايغ ، وأبدلت بعض معانيها ، وأدخلت فيها ما لا وجود في النص العربي الأول ، فأصدر الشيخ الحنبلي حكمه ، وهو صادق ، على كلام لم يقله الصايغ ، وعلاوة على ذلك إن الشيخ الحنبلي وكان في العقد التاسع من عمره ، وقع هو أيضا في بعض الأخطاء ، كما بيناه في الملحق المدرج في نهاية هذا الكتاب . ومما لا شك فيه أن الصائغ ارتكب أغلاطا فادحة عديدة ، فكتب مكا بدلا من مخا ، وزعم أن قبر النبي في مكة وأن سعودا نهب هذا البلد ، فخلط بين مكة والمدينة . وهنا لك أيضا مجال للشك في صحة الكتاب الذي أرسل به عبد اللّه بن سعودى إلى الدريعي بن شعلان . ولكن علينا ألّا ننسى أن الرسالة موجهة إلى شيخ بدوي يجهل القراءة والكتابة ، ولعلها صيغت عمدا بأسلوب يفهمه أهل البادية . ولكني أميل إلى الظن أن الصايغ سجّل في مذكراته وصول كتاب من الإمام الوهابي إلى ابن شعلان ، ولما صنّف كتابه ، صاغ الرسالة بإنشائه العامي البدوي . ولا عجب إذا أخطأ في نسب عبد اللّه بن سعود ، فإن خلطه بين مكة والمدينة يكفي لإظهار قلة معرفته بالأمور العربية . أجل إن الصايغ لم يكن حريصا على الأمانة التاريخية ، لأنه أراد فقط أن يكتب قصة رحلة ، فنمّق وزاد ، واتخذ أسلوبا روائيا ، فشوّه الحقائق أحيانا . وعلى الرغم من هذه الأخطاء ، فإن في كتابه من الفوائد الجمة ، والأوصاف الدقيقة ، والمعلومات الشيقة الهامة ما يجعله مرجعا لكل من يدرس أحوال البادية أو يبحث عن الدعوة الوهابية ، لأنه تكلم عنها مرارا ، كما تكلم عن عبد اللّه بن سعود وأحواله . وإني أميل إلى تصديقه عندما يتحدث عن الدرعية ، لأن الشكوك التي أثارتها هذه الرحلة تضمحل متى عرضناها على محك النقد السليم .

--> ( 17 ) مجلة العرب ، ج 3 ، 4 ، س 19 ، ص 154 .